وهبة الزحيلي
296
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أي واذكر أيها النبي لقومك حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم سجود تشريف وتكريم وتفضيل على كثير من خلق اللّه ، فسجدوا إلا إبليس امتنع واستكبر ورفض المشاركة في السجود ؛ لأنه كان حسودا ، فلما رأى آثار نعم اللّه تعالى في حق آدم عليه السلام حسده ، فصار عدوا له ، كما قال تعالى : فَقُلْنا : يا آدَمُ ، إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ، فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ ، فَتَشْقى أي فقلنا له عقب إبائه السجود : يا آدم ، إن إبليس عدو لك ولزوجك ، فلم يسجد لك وعصاني ، فلا تطيعاه ، ولا يكوننّ سببا لإخراجكما من الجنة ، فتتعب في حياتك الدنيا في الأرض في تحصيل وسائل المعاش كالحرث والزرع ، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء ، بلا كلفة ولا مشقة ، كما قال تعالى : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى أي إن لك في الجنة تمتعا بأنواع المعايش ، وتنعما بأصناف النعم من المآكل الشهية والملابس البهية ، فلا تجوع ولا تعرى ، ولا تعطش في الجنة ، ولا يؤذيك الحرّ ، كما يكون لسكان الأرض ، فإن أصول المتاعب في الدنيا : هي تحصيل الشبع ( ضد الجوع ) والكسوة ( ضد العري ) والريّ ( ضد الظمأ ) والسكن ( ضد العيش في العراء أو تحت حرّ الشمس ) . ويلاحظ أن نعم الجنة كما جاء في الآية لا عناء فيها في هذه الأصول الأربعة ، فلا جوع فيها ولا عري ولا ظمأ ولا إصابة بحرّ الشمس . فأيهما يفضل العقلاء : ما فيه تعب وعناء أو ما ليس فيه تعب ؟ ! وبعد بيان مدى تكريم آدم وتعظيمه وتحذيره من عدوه ، أبان تعالى تورطه في وسوسة الشيطان ، فقال : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ ، قالَ : يا آدَمُ ، هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ